أحمد بن علي الرازي

184

شرح بدء الأمالي

معلوم ، بعلم الله تعالى أفترى أن صفة العلم غير زائلة بكون المعدوم معلوم ، فكذا الكلام لا يوصف بالمزايلة بظهور المكتوب في المصاحف . ونقول : المكتوب دال على الكلام غير حال في المصاحف حتى لا يكون قولا بالمزايلة ، والمعتزلة والدهرية احتجوا بالنصوص والمعقول ، أما النصوص قوله تعالى : ألم ذلِكَ الْكِتابُ لا رَيْبَ فِيهِ [ البقرة : 1 ، 2 ] . ولو كانت مكتوبات القرآن مخلوقة مجازة في المصاحف لما قال : ذلِكَ الْكِتابُ لا رَيْبَ فِيهِ ، وقال : نَزَّلَ الْفُرْقانَ عَلى عَبْدِهِ [ الفرقان : 1 ] ، وقال : الر تِلْكَ آياتُ الْكِتابِ وَقُرْآنٍ مُبِينٍ [ الحجر : 1 ] . ولو أنزله حقيقة ، فالنبي صلّى اللّه عليه وسلم أدى إلينا حقيقة لا مجازا ، ولو أدى مجازا فقد كتم الحقيقة ، وهذا [ 106 ] لا يجوز . وإن قيل : بعضها بالحقيقة وبعضها بالمجاز ، فقد صار القرآن قرآنين ، وهذا محال . فتبين بهذه الدلائل أن القرآن مخلوق حال في المصاحف ؛ لأن الله تعالى قال : إِنَّا جَعَلْناهُ قُرْآناً عَرَبِيًّا [ الزخرف : 3 ] ، والجعل إنما هو الخلق « 1 » ، ونحن نقول : هذا

--> - وعن عمر بن سعيد ، قال : قال علي بن أبي طالب ، رضي الله عنه : لو كنت الوالي وقت عثمان لفعلت في المصاحف مثل الّذي فعل عثمان . قال أبو الحسن بن بطال : وفي أمر عثمان بتحريق الصحف والمصاحف حين جمع القرآن جواز تحريق الكتب التي فيها أسماء الله تعالى ، وأن ذلك إكرام لها وصيانة عن الوطء بالأقدام ، وطرحها في ضياع من الأرض . روى معمر ، عن ابن طاوس ، عن أبيه : أنه كان يحرق الصحف إذا اجتمعت عنده الرسائل فيها بسم الله الرحمن الرحيم ، وحرق عروة بن الزبير كتب فقه كانت عنده يوم الحرة ، وكره إبراهيم أن تحرق الصحف إذا كان فيها ذكر الله تعالى ، وقول من حرقها أولى بالصواب ، وقد فعله عثمان ، وقد قال القاضي أبو بكر لسان الأمة : جائز للإمام تحريق الصحف التي فيها القرآن ، إذا أداه الاجتهاد إلى ذلك . ا . ه . ( 1 ) قوله : بأن القرآن جعل ، والجعل إنما هو الخلق ، نرد عليه قائلين : قال الأذرعى : وأما استدلالهم بقوله تعالى : إِنَّا جَعَلْناهُ قُرْآناً عَرَبِيًّا ، فما أفسده من استدلال ، فإن « جعل » إذا كان بمعنى خلق يتعدى إلى مفعولين ، كقوله تعالى : وَجَعَلَ الظُّلُماتِ وَالنُّورَ ، وقوله تعالى : وَجَعَلْنا مِنَ الْماءِ كُلَّ شَيْءٍ حَيٍّ . وإذا تعدى إلى مفعول واحد لم يكن بمعنى خلق ، قال تعالى : وَلا تَنْقُضُوا الْأَيْمانَ بَعْدَ تَوْكِيدِها وَقَدْ جَعَلْتُمُ اللَّهَ عَلَيْكُمْ كَفِيلًا ، وقال تعالى : الَّذِينَ جَعَلُوا الْقُرْآنَ عِضِينَ . ونظائره كثيرة ، فكذا قوله تعالى : إِنَّا جَعَلْناهُ قُرْآناً عَرَبِيًّا لَعَلَّكُمْ تَعْقِلُونَ . انظر : شرح أصول العقيدة الإسلامية لعلى ابن أبي العز الأذرعى ( ص 60 ) .